الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
18
نفحات الولاية
بعثمان ؟ فقال : يا أبا الحسن ، أبعد أنّ مس الخرام الطبين ! فانصرف علي عليه السلام حتى أتى بيت المال ، فقال : افتحوه ، فلم يجدوا المفاتيح ، فكسر الباب ، وفرق ما فيه على الناس ؛ فانصرف الناس من عند طلحة حتى بقي وحده ، وسرّ عثمان بذلك ؛ وجاء طلحة فدخل على عثمان ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إنّي أردت أمراً فحال اللَّه بيني وبينه ، وقد جئتك تائباً - فقال : واللَّه ما جئت تائباً ولكن جئت مغلوباً ؛ اللَّه حسيبك يا طلحة . « 1 » ثم ذكر الطبري في موضع آخر من تأريخه أنّ عثمان حين قتل ، خرج من عنده « سودان بن حمران » وهو يقول « أين طلحة ؟ فقد قتلنا عثمان » « 2 » . فالذي يستفاد من هذه الشواهد وسائر القرائن التأريخية أن طلحة كان من المخططين الرئيسيين لقتل عثمان . أمّا جملة عائشة بشأن عثمان فهي معروفة مشهورة للجميع فقد كانت تنادي صراحة « اقتلوا نعثلًا ! قتل اللَّه نعثلًا » وكانت تقصد بنعثل عثمان . ابن أبي الحديد يصرح في شرحه لاحدى خطب نهج البلاغة بشأن موقعة الجمل فيقول : يعترف جميع المؤرخين المسلمين بأنّ عائشة كانت من أعدى أعداء عثمان وهى التي أخرجت قميص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وكانت تقول « هذا قميصه لم يبل وقد أبلى عثمان سنته » ، وقيل أنّ أول من دعا عثمان نعثلًا عائشة ، وكانت تقول : « اقتلوا نعثلًا قتل اللَّه نعثلًا » « 3 » . فالعجيب ورغم ذلك قد خرج هؤلاء للمطالبة بدم عثمان ! ويبدو أنّ هذه المسائل ليست عجيبة في عالم السياسة ( السياسة التي تفتقر إلى الإيمان والتقوى والورع ) في أن يتآمر بعض الأفراد ثم يهبون للوقوف بوجه هذه المؤامرات من باب الدفاع ! ثم قال الإمام عليه السلام : « فلئن كنت شريكهم فيه فان لهم لنصيبهم منه ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم » . فالمراد أنّ الجميع يعلم بأنّ هؤلاء شركاء في قتل عثمان ، ولو افترض بانّي شريك أيضاً في هذا الدم ( والحال انّي لست غير شريك فحسب ، بل بذلت قصارى جهدي لاطفاء نيران هذه الفتنة ) فانّ التهمة ثابتة بحقهم ، فان كانوا هم النواة الأصلية في هذا العمل فان عليهم أن يتحملوا مسؤولية عملهم ! وإذا كان الأمر كذلك فما أوقحهم في قيامهم ومطالبتهم إيّاي بدم عثمان .
--> ( 1 ) تأريخ الطبري 3 / 453 . ( 2 ) تأريخ الطبري 3 / 411 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 215 .